الإمام أحمد بن حنبل

55

الزهد

فأين أنت فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب إليك منك فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه جل وعز فأيقن به فقال كذلك أنت يا إلهي فكلامك اسمع أم رسولك قال عز وجل : بل أنا الذي أكلمك فادن مني فجمع موسى يديه في العصا ثم تحامل حتى استقل قائما فرعدت فرائصه حتى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه وانكسر قلبه ولم يبق منه عظم يحمل آخر فهو بمنزلة الميت إلا أن روح الحياة تجري فيه ثم زحف على ذلك وهو مرعوب حتى وقف قريبا من الشجرة التي نودي منها قال له الرب تبارك وتعالى إلى ما تلك ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي قال وما تصنع بها ولا أحد أعلم بذلك منه قال موسى عليه السّلام : أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 18 ] . وكان لموسى في العصا مآرب كانت لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين قال له الرب تبارك وتعالى ألقها يا موسى فظن موسى أنه يقول أرفضها فألقاها على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يدب يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيقتلعها ويطعن بأنياب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فتجتثها عيناه توقدان نارا وقد عاد المحجن عرفا فيه شعر مثل النيازك " 1 " وعاد الشعبتان فما مثل القليب الواسع وفيه أضراس وأنياب لهما صريف " 2 " فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب فذهب حتى أمعن فرأى أنه قد أعجز الحية ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى إلي ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف فقال : خُذْها بيمينك وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى [ طه : 21 ] . وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف قد خلها بخلال من عيدان فلما أمره بأخذها ثنى طرف المدرعة على يده فقال له ملك أو رأيت يا موسى لو أذن لنا اللّه عز وجل لما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا قال لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها في في الحياة حتى سمع حس الأضراس والأنياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين فقال له اللّه عز وجل ادن فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهب عنه الرعدة وجمع يديه في العصا وخضع برأسه وعنقه ثم قال له إني قد أقمتك اليوم مقاما لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي وكنت بأقرب الأمكنة مني فانطلق برسالتي فإنك يعيني وسمعي وإن معك يدي ونصري وإني قد ألبستك جنة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا عني حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعبد دوني وزعم أنه لا يعرفني وأني أقسم بعزتي لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين

--> ( 1 ) جمع نيزك وهو الرمح . ( 2 ) الصريف : الصوت أو الصرير .